محمود سالم محمد

129

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

للناس المثل الأعلى في كرم الأخلاق ، وأقرّ من القيم العربية ما وافق روح الإسلام ، وهذّبها وأعطاها مفهوما جديدا ، فلا عجب حين يمدح الشعراء رسولهم الكريم بمثل هذه القيم ، لأنها عنده تأخذ أبعادا جديدة ، وتشع بالتقوى والقداسة ، وهم يفعلون ذلك لرسوخ التقاليد الفنية في نفوسهم ، ولأنهم يريدون ممن حولهم أن يقتدوا بالجانب الإنساني والأخلاقي من شخصية الرسول العظيمة ولتشيع محاسن الأخلاق بين الناس ، والتي أكد رسول اللّه أنه جاء ليتمها « 1 » ، وأنه يريد للإنسانية خير الدنيا والآخرة ، وأن الإسلام ليس دين عبادة فقط ، بل هو دين عبادة ودين حياة . ولا يسعنا إلا أن نقر بروعة ما مدح به الرسول الكريم على هذه الطريقة ، وخاصة ما مدح به في حياته وهو لا شك ، لون من ألوان المديح النبوي ، إلا أن تشابهه مع ما مدح به غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، يجعلنا نزحزحه قليلا عن بقية المدح النبوي ، الذي أخذ صورة أخرى تقرب من هذا الشعر حينا ، وتبتعد حينا آخر . ولم يكن شعراء زمن البعثة يرمون من وراء مديحهم للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يكون هذا المديح متميّزا ، وفنا قائما بذاته ، ولم يكن مديحهم مديحا دينيا محضا ، وإن ظهرت فيه السمات الدينية ، في حين أن المدائح النبوية هي شعر ديني خالص ، امتزج بنفس الشاعر وبما انعكس من أحوال العصر عليها . القسم الثاني - مدح آل البيت : ظهر الانحياز لآل البيت والتحزب لهم في وقت مبكر من عمر الدولة العربية الإسلامية ، ويمكن أن يعد الشيعة أول فئة سياسية دينية في الإسلام ، قالوا بتفضيل آل البيت عامة وأبناء علي بن أبي طالب وفاطمة - رضي اللّه عنهم - خاصة ، وبأحقيتهم في

--> ( 1 ) مسند ابن حنبل : 2 / 381 .